عبد الجواد خلف

68

مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن

كما اعتمد تفسيره صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كان « يوقفه الوحي » عليه من التفسير ، كما في قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ « 1 » ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ الكوثر « نهر في الجنة أعطانيه ربّى » « 2 » . أو ما كان ينزل لسبب من الأسباب الكثيرة الواردة في مظانها المختلفة من علم التفسير . ولم يكن ثمّة حاجة إلى تدوين التفسير في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم لبواعث هامة اقتضتها النبوة ، وهي النّهى عن تدوين شئ « غير القرآن » آنذاك ، وهو باعث لا يدركه إلا النبىّ بينما يلوكه بالنقد من يجهل مثل هذا الباعث الهام . ولكن المتفحص لهذا الباعث يرى أنه من قبيل الإرهاصات النبوية للمستقبل ، فعدم تدوين شئ من تفسير النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو شئ من أحاديثه في غير مجال التفسير ، أفسح المجالات الواسعة لظهور علوم الحضارة الإسلامية ، وهي مئات العلوم . لأنه لمّا لم تدوّن علوم القرآن ، ولا علوم الحديث ؛ ظهر الافتيات على الأمة ورسولها بظهور الكذابين ، والوضاعين ، فقام الجهابذة من العلماء لوضع القوانين العلمية الضابطة لعلوم القرآن ، ولعلوم الحديث ، ولولا ذلك ما شحذت الهمم لمثل هذا القيام . وكان أول ما ظهر علم تفسير القرآن الذي صار بعد ذلك محتاجا إلى إظهار كافة علوم القرآن علما علما . فالمفسّر صار يحتاج في تفسيره إلى معرفة ، القراءات الواردة عن المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم لأن هذه القراءات بمثابة بيان للقرآن ، وتفسير له . واحتاج في تفسيره إلى معرفة علوم نزوله : كالمكى والمدني ، وما نزل أولا ، وما نزل آخرا ؛ وغير ذلك من علوم القرآن . وكان كلما تباعد الزمان عن وقت نزول الوحي قلّت الحاجة إلى ذلك في زمن التنزيل لقربهم من التعامل الذاتي مع الوحي ، وشارحه المكلف بالبيان وهو

--> ( 1 ) سورة الكوثر ( 2 ) صحيح البخاري بحاشية السندي 3 / 221 .